مصباح في الطريق

مصباح في الطريق

كانت قدرة الاستيعاب لدى محدودة ، نظراً لحداثة سني ،فلم أدرك مغزى كل ما يأتيني من دروس ، إلا بعد فوات الأوان ، فحين تأتيك كلمة عابرة على أذنك وإحساسك ثم يتضح لك أنها كانت كمصباح لك ، رزقت به وأنت غائب الوعي عنها ، فتصبح لك نهجاً

في معترك الحياة لتحسب خطواتك ، وتضع قدميك على أرض صلبة كلما أردت أن تخطو، وتسير بثقة وثبات غير مهتز بشك أو ظن ، أي تكون (ثابت الخطي يمشي ملكاً )

*****

في ذلك الوقت كان قرص الشمس الأحمر ينحدر القرص الأحمر ينحدر للتواري خلف الأفق ، الشفق يعبأ السماء ، قد فرغت من حصاد حقلي من البُرِ(القمح ) استأجرت بعض الدواب ( الجمال أو الإبل ) لحمله لدرسه في مكان أخر ، تم حمله على الجمال ، ونظراً لضيق الوقت وخشية غروب الشمس علينا في الطريق ، أخذ الجمالة على عاتقهم بهمة وعزيمة غير معهودة منهم في مثل هذه الأوقات ، بدفع الإبل لتسرع الخطى بالرغم من الحمولة الثقيلة التي تجثم على ظهورالجمال. كان حيز الطريق ضيق ، لا يتسع لمرور المقابل وعليه أن ينتحي أو يأخذ أحدنا جانباً حتى يمر المقابل له ويسمح له بالمرور ،سرنا في الطريق على حذر وراحت الأبل تتخطي كل ما يقابلها من عوائق تعوق حركتها ، وهي بطيئة الخطى حتى لو تم دفعها من أصاحبها وزجرها . .الطريق ليست خالصة للسير لمثل تلك الدواب ،  فعادة ما تجد المزارعين قاموا بشق الطريق أمام حقولهم حتى يتثني لهم ري حقولهم من المصرف المائي المعد لهم لهذا الغرض ،ثم إذا ما قام الفلاح بري أرضه قام بسد رأس الشق ناحية المصرف فقط ويترك الباقي بعرض الطريق مفتوحاً فيكون ويصبح  عائقاً أمام الدواب إذا أرادت أن تتخطاه ، لا يهم الفلاح ما يحدث ، المهم أنه قام بري أرضه وسقى حقله وزراعته ولا شأن له بعد ذلك ،ينصرف عائدا إلى داره ، يصعب تخطي تلك الشقوق للدواب إن كانت مازلت وحلة أو ما زال بجوفها الماء ،

جاء دور جمل المقدمة وهو يحمل على كاهله وظهره ثقلاً من الحصاد ليخطى أحد هذه الشقوق ، كلما حاول الجمل أن يضع خُفَهُ، أحس أن قدمه تغرس في الوحل فيرتد للخلف ، كأنه يخشى على نفسه الوقوع أو التعرض للجزع أوالكسر ، الجمال يصرخ من الخلف ً بأعلى صوته ،وهو ينادي الجمل ويشجعه على المرور ويحفزه ، لكن الجمل أبى ، لأنه كان يحس بالخطر فيرتد على ظهره بالحمل وهو يتأرجح فوق ظهره على وشك السقوط ، اجتمع الحمالون والحاصدون وأصحاب الإبل ،أمسك أحدهم بحبل القيادة لجمله (رسل ألجمل ) وظلوا يصرخون في جمل المقدمة وهم يدفعون مخرته للأمام ،وقد وضعوا قوتهم وهم يسندون الحمولة بأيدهم ورؤوسهم ،ويدفعون في الجمل ..لكن لا جدوى ولا جديد . . توقفت الطريق تماماً وظهر على الجمل الخوف  ، فارتد على ظهره وزاد من رغاه كأنه يشكو لنا ما يراه ..فجميعناً لا يرى ما يراه الجمل ، أننا جميعاً مصرون على عبور الجمل هذا الشق وكأننا لا نقرأ النتائج .... ثم جادت الطريق في تلك اللحظة برجل يود المرور يتمطى ظهر حماره له ، كنت أنا الذي أمسك رَسَلِ الجمل أو قلادته لأقوده وأشده للأمام ،فقد كلفني الجمال وزملاءه بمسك القلادة ، نظر الفلاح وهو يقف بحماره منتحياً جانباً من الطريق ، لم يتكلم ولم يشاركنا في شيء ، سرعان ما انخرط الفلاح من فوق ظهر حماره وتقدم نحوي ،ثم أخذ مني حبل القلادة ،ثم صاح في الجمالة والحصا دون ، ثم ألقى إليهم بالتعليمات التي يريدها ، فما سمعوا نداءه حتى سكت الجميع ، لم ينبث منهم أحداً بكلمة ،كأنهم ارتضوا وقبلوا بما يريده ، تقدم الفلاح  بطريقته ،ألقى نظرة بإمعان عل الحمولة فوق ظهر الجمل ،ثم ألقى نظرة على الطريق أسفل قدميه ، ثم أخذ الجمل في اتجاه عرضي خطوتان  ، تعلقت عيناى به  وأنا أنظر إليه ، استغرب منه ذلك ،ثم تقدم صوب الطريق وهو يمسك قلادة الجمل ويناديه ، الجمل يضع قدمه على حذر ، ثم يأتي بالأخرى ، حتى وضع قدميه فوق التراب بعيداً عن الوحل ،صاح الجمالة خلفه يكبرون ويشكرون .. ثم التفت إلىّ وقال قولته التي مازلت تصدح في أذني : ومازلت تسري في وجداني حتى وقتنا الحاضر ،

(القيادة ليست هي مسك القلادة وإنما القيادة فن وذوق ) ثم مضي يركب حماره الذي ينتظره ...

بقلمي : الكاتب : سيد يوسف مرسي الجهني 



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2023 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية