الساقطة والنبيل

الساقطة والنبيل

تقدم حسن ودلف من باب قسم الشرطة ليقدم شكواه وهو بطاطا رأسه خجلا من أن يره أحد بالقسم أو يحس به أحدا من جيرانه أنها المرة الأولى التي تطل قدميه أرضية قسم شرطة المركز .. كان يحاول أن يخفي ملامح وجهه أو معالمه حتى لا يتعرف عليه أحد من أهل الناحية .. كان حسن مرتبكا لا يعرف ماذا يقول السيد رئيس المباحث وكيف يقدم شكواه إليه ؟....لقد عجز حسن بسبب طيبته عن الوصول وكشف المستور ؛ لقد الشك فيه حيزا وبات يؤرقه منذ أن مات أبيه الحاج ابراهيم أبوليفه 

وظهور تلك المرأة في حياتهم  فانقلبت الدنيا رأسا على عقب .. وحسن يكتم أمرها لا يود أن يفشيه للناس أو أحدا يطلع عليه فهو ابن رجل معروف بين بالتقوى والصلاح وله هيبة ووقار عند  الجميع فخشى حسن أي شي يؤثر  في سمعة أبيه وعائلته ..لقد مضى شهرين كاملين وهو يتكتم على الخبر ..لكن ما دعاه للذهاب لقسم الشرطة إلا كثرة الارتياب في أمر تلك المرأة التي ظهرت لهم في لحظة انتكاسة ووفاة الحاج ابراهيم مدعية أحقيتها في الدار بصفتها زوجة الحاج ابراهيم المتوفي والتي  سبق زواجها من الحاج ابراهيم سرا على عقد عرفيا 

بشهود ورقم بطاقته القومي وطفل بين وراعيها لا يتعدى الشهرين وشهادة ميلاد تحمل اسم الطفل مقرونا باسم أبيه وجده ..لقد دخلت سميره في عائلة الحاج ابراهيم  بقوة من اول لحظة وراحت تسوق نفسها بين العائلة وتتخذ من القرارات ما يربك الخدم 

نظرا لوفاة  الحاجة فاطمة أم حسن قبل زوجها الحاج ابراهيم بعامين مما أعطى لسميرة فرصة في التدخل وفرض نفسها . كان حسن كريما هادئا مثل أبيه فاهتم بها وبطفلها الذي يعد بمثابة أخيه فاكرم مثواها وبذل لها العطاء أمرتنا لأبيه الذي يحبه ويحبه ..لم تستمر سميرة كثيرا في دار الحاج ابراهيم بل انتظرت حتى انتهاء فترة الحداد وطلبت من حسن السماح لها بالذهاب لشقتها التي اشتراها لها الحاج ابراهيم لتقيم فيها هي وامها فقد اشتاقت لأمها وعليها أن تذهب حتى تراها وتطمئن عليها.. لكن سميرة قبل أن تخرج أطلقت صاروخا أرض جو فقلب كل الموازين المنصوبة للعدل والقسط. إن طلبت من حسن وهي تظهر بعض الحياء  أن يسرع في حصر حقها وطفلها من ميراث الحاج ابراهيم .. 

كانت الصدمه لحسن قوية لكنه تمالك نفسه وأبدى ابتسامة وقبول واعدا إياها بعمل اللازم ..مضت سميرة كما ادعت لحسن ومضت الأيام لغياب سميرة وعدم رجعوها للدار فكر حسن فالذهاب إليها وزيارتها 

فمهما كانت فهي مسؤولة منه وحق عليه رعايتها بعد أبيه ذهب حسن للعنوان التي أعطه إياه من قبل وصعد حسن العمارة وفي الدور الثالث وقف أمام باب الشقة وضغط على ذر جرس التنبيه وانتظر 

قليلا ليخرج منها رجلا قارب السبيعين من عمرة 

لا بالطول ولا بالقصير عيناه غائرتان تحت رأسه 

نظر إلى حسن نظرة فتور قائلا نعم ماذا تريد 

حسن أريد السيدة سمير عبد اللطيف .. الرجل :لا ليست هي موجوده الان فقد ذهبت إلى المقابر تصطحب أمها معا وطفلها لزيارة قبر زوجها المرحوم 

وقبل ينسحب العجوز من أمام حسن ويقفل باب الشقة أخرج حسن بعض النقود وتناولها العجوز طالبا منه أن يعطيها إياها ويخبرها بمجييه إليها وسؤاله عنها .. وانصرف حسن مسرعا منطلقا بسيارته إلى المقابر فقد أحس حسن أن الرجل يكذب والأمر غير طبيعي فأراد اللحاق بها في المقابر إذا كان قول الرجل حقيقيا وصادقا...لكنه لم يجدها ولم يعثر لها على أثر بالمقابر قد ذهبت وانصرفت قبل حضوره بكثير من الوقت ..

عاد حسن لأعماله مرة ثانية  لكن كان عليه أن يعاود سؤاله عنها وعن طفلها كل حين ودائما ما يجد هاتفها التي أعطته إياه مغلقا أو غير متاح  لذلك كان على حسن أن يقوم بما قام به أول مرة فيذهب إليها 

... دق باب الشقة فخرجت تلك المرة امرأة في العقد الخامس من العمر وليست الرجل الذي قابله في المرة الأولى في زيارته لها .. ما أن نظر في وجهها حتى طار به الخيال وراح يستحضر الصورة التي  أمامه فما هذا الوجه بغريب عليه أنه يعرفها جيدا  ... إنها هي أنها هي إنها فتحية الخادمة تلك المرأة التي كانت تخدم في بيتنا ودخلت على أبي عارية ذات يوم فرضها أبي   وطردها  من بيتنا وخدمتنا ..

أنهى حسن اللقاء بسؤاله عن سميرة وصحتها وصحة طفلها وطلب من فتحية أن تنادي عليها لمقابلته لكن فتحية ردت عليه وكأنها تود أن لا تضع عينيها في عينيه بخروج سميرة إلى السوق لقضاء بعض مصالحهم ..لم يتوانى حسن في أن وضع يده في جيبه وأخرج حافظة نقوده ودس يده فيها وأخرج بعضا من أوراق البنكنوت الورقية ويضعها في كف فتحيه وهو يستدير عنها قائلا .. بلعبها عنا السلام وتعطيها تلك النقود كمصاريف لحين يتم الانتهاء من حصر التركة وحقها وحق طفلها .. أخذت فتحية النقود دون يظهر عليها أي ارتباك وحين تأكدت من نزول حسن السلم فأوصدت باب الشقة خلفه ...تركها حسن ومضى لكنه لا يعرف إلى أي وجهة ستكون وجهة ...أحسن حسن أن  الدم يكاد يضرب من رأسه

واحس أن باتت نغسلها سبورة قاتمة فأصبح لا يرى شيئا أمامه وساقته قدميه إلى أول مقهى قابله وهو في طريقه .. جلس حسن وهو يدور برأسه في الدنيا 

وكأنه لا يرى بعينيه شبر ..وجلس وانما رافعا رأسه في السماء غارقا لا يعرف كيف يؤكد ما دار في خلده ويبعد هذه المرأة اللعوب عن طريقه وحياته .. لقد راح اليقين يصفح كالشمس المشرقة يطل على الوجود بالحقيقة المخفية والمخباة تحت لحاف الوهم ..كان قد أتى إليه بكوب من الشاي وتلقاه حسن من يده قبل أن يضعه النادل على المنضدة متلهفا عليه وقبضت يده عليه بالرغم من  سخونته الشديده في يده ..وتناول رشفتين من الكوب الساخن  وأردفهما برشفة ثالثة دون يعبأ بسخونة الكوب 

وطاف بحسن الخيال ولا شي يقطع فكره ولا ذاكراته ..وعلى غرة انتفض حسن من مكانه وبرقت عيناه وهو ينظر أمامه في اللامدى وكان واحدا من الناس يجالسه أو يقعد معه ويحادثه وراح يحدث نفسه وصوته  يعلو وهو يقول نعم لقد كان أبي مريضا وكان يعالج فكيف يتسنى له الزواج من بنت في سن بناته  هذا لا يصح ولا يكون ... ألقى حسن ثمن الشاي النادل دون أن ينتظر الباقي وشد الرحال إلى هدفه وما حط به فكره  ..إشارة لعربة أجرة وهو يقول لسايقها شارع عبد المنعم رياض....



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« مايو 2022 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية