حارة النقار

الكنز

أمتطى الخاطر زورقه وراح يبحر في لجاجة رابحة يراوضها ويلح  عليها أن تذهب .فأمر كهذا الذي أرقها وقلقل مضجعها ليس بالسهل عليها ولا يمكن السكوت عليه  لقد ألحت عليها الرغبة و تود أن تنفس على نفسها وتفك من أسرها وتكشف عن سر ها وما خفى عليها . لكن لا بد من ان تمهد الطريق حتى يتثنى لها ترك جابر . إنها تعرف تعنته معها وتعلقه بها بعيدا عن هذا الموضوع فهو دائما يريدها بجانبه ويحتاجها معه . لا ينفك عنها ولا ينفصل متعلق بها كالروح في الجسد فلو فارقته ستموت حتما ...لكنها استطاعت في النهاية الحصول على الموافقة .. ذهبت رابحة تقصد منشود لديها ..وتقتفي أثر المفقود ....وقد ذهب  جابر  على حين غرة يلبي نداء عمله في مدينة أخرى مما أتاح لرابحة أن تذهب حيث تريد ... ويكفها مكالمة هاتفية تخبره فيها بخط سيرها دون تفاصيل ....تحركت رابحة في طريقها لا يثنيها شئ ....طويت الطريق في عينيها وإذا بمرمى غير بعيد شهقت مأذنة المسجد وهي تبث الٱذان لصلاة العصر .. حدقت رابحة ببصرها ودارت برأسها كأنها تعود إلى رشدها ووعيها  .......

 فالمكان قد تغيرت بعض معالمه . فلا شئ يظل على حاله ..مالت وانحدرت بجسدها وهي تقترب  من رجلا جلس أمام حانوته وقد تدلت لحيته البيضاء الكثة وهو يهم وينهض للذهاب للصلاة ..تسأله عن حارة النقار وبيت النقار  ...كان النقار صاحب صيت وشهرة في زمانه الذي أنفك ومضى ولم يبقى من صيته شئ غير الترحم على ما كان في زمانه من نعم ووئام وبركة ...لقد سميت  الحارة  بإسمه .. وقف الرجل وهو يلقي ببصره في وجه رابحة ويتفقد ملامحها لكن عندما فقد الوصول والطريق للتعرف عليها  تمتم ببعض الكلمات  على شفتيه .. ورفع يده وراح يشير لها ويوجهها إلى مبتغاها ...أصبحت رابحة على مقربة من مقصدها .. ولم تمضي بعض دقائق حتى  ركبت قدمها ظهر الحارة ...راحت تخاطب بعينها الوجود والجدران في صمت  .. هناك بعض الاشياء لم تتغير فكثير من معالم الحارة ما زالت كما هي على هيئتها إلا من بعض الطلاء الذي لثم بعض وجوه الجدران أو وجوه  بعض أبواب المنازل . لقد مرت سنين على أخر تواجد لها فهذه هي الزيارة اليتيمة الوحيدة والتي لم تؤأخيها وتردفها بأخرى وها هو الباب لم يتغير وها هو الدار  التي ظهرت على وجهها التجاعيد بفعل الزمن .. تقدمت رابحة ناحية الباب العتيق وهي تنظر ناحية اليمين وناحية الشمال كأنها تستطلع شي ما حولها وهب تشم رائحة الماضي المنبعث إليها  وتغمرها الذكرى ..نعم يا رابحة لقد جئتي إلى هنا عروس لعبد السلام  وكنت هنا  في يوم الأيام لتسكني في هذا الدار ..لكن القدر لم يمهلك ولم يسمح لك القدر لتعيشي هنا   ..ومن أتى بك فارقك وتركك لمصيرك المجهول في هذا البلد . وقد لبى نداء ربه ...فلا أخ ولا صاحب ولا حبيب لقد كان معينك هو الله واليوم تقفين مرة أخرى أمام هذا الباب لتطرقيه ... مدت رابحه يدها وامسكت مطرق حديدي يشبه قبضة اليد في قبضتها معلق على وجه الباب وقد اعتلاه الصدأ فهيهات من يتعامل معه ...لقد علمت رابحة أن الدار قد سكنت من قبل  بعض إخوة زوجها عبد السلام  ..طرقت رابحة الباب العتيق مرة تلي المرة  وإذا بامرأة شابة في العقد الثالث من العمر تفلج الباب بحذر لتجد رابحة في وجهها .لحظة صمت وتمعن بينهما لم تطول . تتدارك رابحة الموقف وتبادرها ...ضيفة جاءت لتسلم عليكم وتشرب الشاي ... يا مرحبا.. تفضلي كان ذلك هو البداية مع رابحة لتتعرف على من بقى من أسرة النقار ..لم يكن اللقاء حميما بينهما بل كان فاترا .. لكن رابحة أرادت تصنع لنفسها مكانا وتفرض وجودها بعد هذه المقابلة الفاترة ......

راحت رابحة تفتح طريقا لها ...فبادرت مضيفتها وهي تقول لها وكأنها تعرفها بنفسها أنا رابحة أم جابر زوجة المرحوم عبد السلام اخو زوجك الكبير . ولم تأتي الفرصة لنتقابل من قبل ....

 وانتي ما أسمك ؟قالت :ٱمال .. قالت رابحة:عاشت الاسامي أهلا وسهلا بك نورتينا يا أم جابر .......

رابحة :أين المحروس زوجك؟ 

ٱمال: أنه غائب عنا منذ فترة  

رابحة : يعني مسافر يا ٱمال ؟

ٱمال: وكأنها وجدت ضالتها نعم  مسافر في العراق

رابحة :ربنا يرجعه لكم بالسلامة 

لم تصدق رابحة ما قالته ٱمال لها بشأن زوجها 

فقد لا حظت رابحة أثرا ورائحة لوجود الرجل في البيت من لحظة أن دخلت الدار وجلست وهي تدور بعينها وتفتش في أركانه فالمرأة التي تعيش مع زوجها لها ملامح غير الملامح التي تبدو على المرأة في غياب زوجها ..قبل أن تستدرك الحديث وتواصل قطع ثلاثة أطفال حبل الحديث بينهما وهم يصيحون ماما ... ماما ...ماما وقبل أن تلتفت إليهم إذا باوسطهم قامة يطلق سؤالا وهو ينادي امه ... ماما ...ماما أين بابا ؟ لقد نزل السؤال على رأس ٱمال كالصاعقة فلم تستطع إسكاته 

وهي تنظر بعين الخجل على رابحة وتحاول أن تسكت الطفل من ناحية وتخرج من هذا الموقف بكذبة أخرى أو بحيلة قد تصدقها فيها رابحة ..شئ من اليقين دخل قلب أم جابر وخيط أمتد إليها دون جهد ..هنا أدركت و

أرادت رابحة أن لا تعطي أمال أي فرصة في فهمها فتجاهلت الأمر كأنها لم تسمع شيئا من الطفل .فتداركت الموقف بطريقتها حتى لا تفطن ٱمال لمأربها...لكن المساء قد حل واسدل الليل خيمته على الوجود فلا مناص لرابحة للعودة في ذلك الوقت ولا يتثنى لآمال أن تطردها من الدار فقد عرفت أنها شريكتها وهي وريثة زوجها ...فما كان من ٱمال إلا الانصياع للأمر الواقع ومعاملة رابحة معاملة تظهر فيها الطيبة والود بالرغم من ما  وقع في صدرها من هذه الزيارة التي فاجئتها بها رابحة على غرة من أمرها ...حاولت ٱمال أن تظهر لرابحة بعض الكرم فأتت لها بالعشاء  في الصالة لتأكل ..لم ترفض رابحة الطعام الذي قدمته لها ٱمال فنهضت لتغسل يدها قبل الاكل في الحمام 

ولأجل أن تدخل الحمام فعليها أن تمر بطريق يتخلل  بين الحجرات لتصل إلى الحمام فإذا بها تقع عيناها عما افتقدته من بيتها ولم تخبر جابر بفقدانه حيث كان لا يعلم به ولا يعلم ما به ..... هذا هو الصندوق الخشبي 

كيف انتقل إلى هنا ومن الذي أحضره؟....

هل ما تقوله ٱمال عن غياب زوجها بالمعقول ما تقوله ٱمال عن زوجها فمن هذا الذي أعلمهم بهذا الصندوق ؟

 

*****

 

فهذا ليس بالمعقول  ولا يكن أبدا ....!

نهضت ٱمال وراحت تعد لرابحة سريرا كي تنام عليه قد لا حظتها تغمض عينيها وتسبل اجفانها فظنت أنها مجهدة وتريد أن تستريح وتخلد للنوم ..هذا ما اعتقدته ٱمال ..لكن رابحة كانت تتظاهر لآمال حتى لا يدخل الشك في قلبها ....

نادت ٱمال على  رابحة وهي تدعوها لتستريح وتنام لأنه يبدو عليها الإجهاد . وقفت رابحة وهي تتهيأ للخلود والنوم.....

وقالت : تمام ربنا يوسع عليكم وطالما زوجك غير موجود اتركي الباب لي مفتوحا ربما أحتاج أن أذهب  إلى الحمام فلا أوقظك من النوم ...

ٱمال :كما تريدين  البيت بيتك يا أم جابر 

ألقت رابحة بجسدها فوق السرير وسحبت البطانية على جسدها .. وقد خرجت ٱمال حيث أطفالها لتترك رابحة تحت الغطاء تدبر أمرها حتى لا يفضح أمرها قبل أن تصل لمرادها الذي جاءت من أجله حارة النقار؛ لقد ٱل إلى رابحة  هذا الصندوق الخشبي العتيق بكل ما يحتويه من خبيئة فقد تركه عبد السلام لها واستودعها إياه ؛ وهي تحافظ عليه  وهي تعرف ما يخبأ بداخله ...

إنه الكنز يا رابحة فلا تتركيه يسرق منك وقد حفظتيه طوال هذه السنين لابنك .. ثم يأتي اليوم الذي يسرق منك ومن جوف دارك ؛فمن وشى لهذا المعتوه بهذا الصندوق فجعله بغيته وطلبه ؟؛؛

راحت رابحه تركض تحت الغطاء وتلهث ودار بها الشك وراحت تستجمع في ما غاب في الذاكرة... وعلا قلبها دقا وهي تسأل نفسها .. من هذا الذي دخل بيتها وجلس معها ويعرف كل صغيرة وكبيرة في بيتها ؟؛؛.  هل هي سمية ؟ وان كانت هي ؟.. فكيف عرفت أخي زوجها وما سر العلاقة بينهما .؟

أسئلة لا تجد لها جوابا وهي لها  بمثابة لغز .. وقد يكون غيرها ولكن كيف ذلك؟.. فباب البيت لم يكسر ..وليس لبيتها مدخل أو منذ على الجيران ..أن الذي دخل بيتها وأخذ الصندوق لص محترف ويعلم كثيرا عنها .. لكن عبد العاطي اخو زوجها ..لم تره وهو لا يأتيها وابنها أبدا ولا يسأل عنهما  ... 

تحت الغطاء اتصلت وكأنها تهمس في أذن جابر ؛

أين أنت ؟ ماالخبر يا أمي ؟ أريدك على عجل ؛؛

لماذا ؟ الأمر في غاية الضرورة ..تعالى ومعك الشرطة.. تدخل ٱمال لتنزع البطانية من فوق رابحة

وتشعر في وجهها سكينا ... لن يخرج الصندوق إلا على جثتي ...!

وسمية تقف بجوارها لتنفيذ الجريمة قبل وصول جابر .......



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« مايو 2022 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية