آدم وحـــــــــــــــــــواء // للكاتب : سيد يوسف مرسي

صورة رمزية  

 

آدم وحـــــواء

 

 الفصل الأول

 

لقد كانت هي المرة الأولى  في تاريخ البشرية  والتي في مهدها تحبو نحو النمو والتكاثر ، يستكشف شطريها بعضهما البعض، كانت الأحاسيس البشرية دفينة وما زالت غامضة أو خامدة لم تتحرك الأحاسيس البشرية بعد...! نحو الشهوات الدنيوية ........وكانت النظرة إلى الدنيا  ضيقة محصورة بين أمرين ... إما الحصول على القوت الضروري  أو النوم على الأرض والتحاف السماء كغطاء ... لا مجال للهوى في ذلك الحين ، فلم تبد الدنيا مفاتنها  ولم تكشف عن ساقيها لتغري الناظر لها ، لقد كان دأب البشر حينها الحصول على الطعام من  صيد حيوان ليكون له غذاء وليأخذ جلده ليتخذه ريشاً و لباساً يداري به سوءته ويستر به عورته ...... وقد دخل فصل الربيع إلى الدنيا الخالية والخاوية من السكان ، فلم تنمو البشرية بعد ... وآدم وأبناءه يتربعان على عرش البسيطة دون منازع لهما أو مشارك لهما  ، غير تلك الحيوانات والطيور  التي وجدت الأنس والطمأنينة في مجاوراتها لآدم وذويه ،،، وقد اخضرت الأرض ولبست ثوبها الأخضر وتزينت  ولبست حلتها التي لم يرها من قبل آدم وذريته وراح النسيم يغمر الأرض ويزيدها بهجة على بهجة كأنها قطعة من الجنة التي أهبط منها هو وزوجته حواء  ....أنطلق  آدم  وذويه يَعْدُونّ كالظباء بين الأودية وبين المروج الباسقة يتنسمون الريح الطيبة التي تَهُبُ من حين لأخر وآدم قد أسند ظهره على ساق شجرة كثيفة الورق عظيمة الساق وهو يراقب أولاده يمرحون حوله في بساطة ورقة .... كان آدم كثير النظر عميقه وكلما حاول أبناءه الابتعاد عنه نصحهم وأشار إليهم بالعودة وعدم الابتعاد عنه خشية أن يصيب أحدهم ضرراً أو سوء وحواء تجلس معه وتلصق كتفها في كتفه وتلقي برأسها أحياناً إلى صدره وتقاسمه وتشاطره النظر إلى الابناء والنصيحة لهم .... هناك

وقف ابليس يتحصر وراح ينظر من بعيد وهو يرى آدم وذريته ينعمون بالهدوء والراحة وتعمهم السعادة والغبطة ، فحز ذلك في نفسه وأحزنه أشد الحزن لمَّا رأى على وجوههم السعادة ،،فاشتد غيظه على آدم وعلى ذريته وأولاه  

وراح يفكر لهم في مكيدة تكون عظيمة لا تقل فجيعتها عن المكيدة الأولى التي أخرج بها آدم عدوه اللدود من الجنة ...كان يعلم ابليس تمام العلم أنه لا يستطيع أن ينفذ إليه مرة ثانية وكذلك حواء فلقد عرفاه أشد المعرفة واحتاطا منه جيداً فهو لا يستطيع أن يقف أمامهما مرة ثانية أو يواجههما  فقد تحصنا منه جيداً وأخذا حذرهما منه فلا سبيل له إليهما مرة ثانية .... راح ابليس يجمع كيده ويبحث عن حيلة ومكيدة لإيقاع آدم وزوجته في معصية أخرى وذنب أخر فلم يجد ...جمع أعوانه ومستشاريه وراح يصرخ فيهم ويؤنبهم على تراخيهم وسكوتهم تجاه أدم وأولاده ... فتارة يتوعد آدم وذريته بالويل والثبور وعظائم الذنوب وتارة يرغب ويداهن مستشاريه ويمنيهم بالرضا عنهم وتقريبهم إليه ، وتارة يتوعدهم بالقصاص منهم إلا إذا وجدوا له حيلة إلى مصيبة تقصف ظهر آدم من جديد حتى وإن كانت هذه المصيبة لأبنائه.... وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ومن طبيعة الحال كما يقولون ابن ابليس شيطان ...لقد كان لإبليس ابن صغير لا يقل شيطنة ولا أبلسة عن أبيه فما يعجز عنه أبيه يقوم هو بتنفيذه ويكفي أباه به فخراً بين مستشاريه وأعوانه من الجن والمردة وبين إخوته  وهو يشيد به على مرأى من إخوته وأعوانه كأنه يقول لهم هذا ..! أنا ..... لقد عاد الشيطان الصغير لتوه وكان قد تغيب عن اجتماع أبيه بمستشاريه ، رجع وفي عينيه  جحيم يتأجج ينم عن خلفية في وعاء  وعقلية الشيطان الصغير ، شاهد ابليس صغيره وهو يدخل عليه في مجلسه والنار تشتعل في مآقي عينيه وعلى وجهه بشارة أو خبر ، ما أن رآه ابليس حتى هبّ من مكانه مسعوراً على وجل قائلاً : أين كنت ؟ ، الشيطان الصغير : عذراً سيدي ..!

كنت أراقب آدم عدوك اللدود من بعيد ...وماذا وجدت وبماذا جئت ؟ ،وجدت سيدي : وجدت آدم يعيش ويحيا في سعادة ويصلي ويعبد ربه وليس بينهم عاصي ولا مذنب ، ابليس : وأين أنت في ذلك ؟ وهل أعجبك صنيعه ؟. وكيف تتركه يفعل ذلك . ألا تعلم إني أخذت العهد على نفسي لأغرينه وذريته  ولأوقعنه في المعصية والذنب إلا إذا تحصن منا بإيمانه بالله ... سيدي : لقد كان محصناً بحصن منيع لم استطع تسلقه والنفوذ أو الوصول إليه ، وما العمل إذاَ....؟،

أمهلني سيدي وأعطني الفرصة وسوف أعود إليك بما يثلج صدرك ويمكنك من آدم مرة أخرى ، ابليس : لقد مللت الانتظار وهؤلاء لا يُجْدون

ولا يفعلون شيئاً وراح يشير إلى اتباعه من الجن والمردة ، وآدم يعيش كأنه بعيداً عنا ولا نستطيع الوصول إليه ، الشيطان الصغير : لا تقلق أبي وسوف أعود إليك بما يسرك ...!

بقلم : سيد يوسف مرسي

*****

 

الفصل الثاني

 

    وقف الشيطان الصغير يراقب أدم وأولاده وقد لمح قابيل وهو يحدق في حليلة هابيل  ويتفرس في مفاتن الجمال الأنثوي

البريء في حليلة هابيل وتوأمه ، لقد شغف قابيل بجمالها وأنوثتها وراح يراقبها عن كثب وهو يمني نفسه بها وامتلاكها دون غيره حتى وإن كان

أخاه هو ألمعني بها دون غيره ، لقد كانت حليلة هابيل قطعة زمردييه شقت أو انشطرت من القمر في ليلة اكتماله ، راح يراقبها في العدوة والروحة وهي تحوم وتتنقل فوق الرُبا كالفراشات وفوق سنام الورود

لقد فتن قابيل وشغف بها ولم يؤل بالاً بما هو مصرح به ومسموح به في حالته وحال البشرية حينذاك ...لقد أغراه الشيطان ووسوس له وراح يبث في  نفسه الغيرة والحقد على أخاه وكلما سولت له نفسه  تحركت شهواته البهيمية المكبوتة وليتحين اللحظات ...!

كان آدم قد أعطى تعليماته لبنيه وبين لهم ما لهم وما هو عليهم وما هو الواجب وما هو المفروض وما الذي يجب اجتنابه والبعد عنه وحذرهم من الوقوع في براثن الشيطان وكيده والحذر كل الحذر من معصية الله واجتناب نواهيه والعمل بأوامره ...

لقد كان آدم يعلم أنه سوف يشد الرحال قريباً ويرحل عن أبناءه وأنه سوف يتركهم ويذهب حيث يكون البيت المقدس بيت الله الحرام سوف يذهب ويفر إلى الله وإلى ربه ليطوف بالبيت ويدعو الله ويتضرع إليه عسى أن يغفر له خطيئته واقترافه المعصية التي أسقطته من الجنَّة وأهبطته إلى الأرض ....فما كاد آدم أن يبرح الدار ويترك حواء وعيالها ويفقده بصرهم

حتى أصبح الدار خاوياً والسفينة بلا قبطان ... لقد أخذت حواء على كاهلها وعلى عاتقها  حمل المسؤولية وراحت تدور كالرحى بين أبناءها لا تكل ولا تمل ولم تدخر وسعاً في إيجاد ضرورات الحياة ومتطلبات العيش من طعام وكساء لهم ..حملت حواء العبء بدلاً من آدم حتى يعود ونابت عنه في أمور كثيرة ، لكن هناك أمور لم يكن لحواء القدرة عليها ولا فهمها فلم تدركها أو تعيها وآدم لم يحدد لها وقتاً للعودة  

أو الرجوع للبيت وجدّ آدم في سعيه إلى ربه ضارعاً خاشعاً مسلماً أمره مستسلماً لقدره ولم يدخر وسعاً فأوصاهم بما يجب وبما يكون

....

لقد وقع آدم من قبل في المعصية فأهبطته من جنّة السماء إلى الأرض

حين أطاع الشيطان واستمع لوسوسته

فأكل من الشجرة هو وزجته فأخرجا منها ولولا أن تداركته رحمة ربه لنبذ ولظل في الجحيم مخلد في النار لقد تلقى آدم من ربه كلمات ، لقد علمه الله كيف تكون التوبة للعبد العاصي ،؟ . فأطاع ولبى وقال ما أُمِرّ به ما ففرج الله عنه كربه فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم  ، لقد قبل الله توبتهما وقد أهبطا من الجنّة إلى الأرض وها هو آدم وحواء  يعلمان معنى المعصية والانزلاق عن الصراط المستقيم والنتيجة التي سوف يكونان عليها في حالة العصيان ولم يقترف آدم المعصية لوحده بل اقترفاها سوياً واستغل الشيطان حبهما لبعض فأوعز لكل شطر منهما قولاً يبثه للطرف الأخر فيجذبه إليه ويطاوعه في مقصده ، واستقطبهما إبليس بحيله وخدعه ووسوسته واغراءه لهما بالخلد فأطاعا  الشيطان فخرجا من النعيم إلى الشقاء والكدح في الأرض يعانون مالم يتوقعاه قبل الهبوط والنزول ...

استحوذ الشيطان على عقل قابيل فأنساه الشيطان ذكر ربه ،فاستغل غياب أبيه عن الدار ورحيله وقد تبين له الفصل في هذا الموضوع

من قبل الله عز وجل حين أمرهما أبوهما أن يقدما كل واحد منهما قرباناً يتقربا به إلى الله عز وجل ليعلم آدم صدق كل واحد منهما وسلامة موقفه فيما يبتغي من مراد ، ولقد صدق هابيل النية والمراد فقدم أحسن ما عنده من كباش قرباً إلى الله عز وجل وتقرباً إليه وهو يتضرع إلى ربه بساطاً كفيه خاشعاً منكباً على ركبتيه أملاً أن يتقبل الله قربانه ، فنزلت نار من السماء لتأكل القربان قبولاً  ...,قد صدق هابيل في دعاءه ومقصده . .... أما قابيل فقد سيطر عليه الشيطان وأغراه بوساوسه وكيده فلم يصدق في نيته ولم يصدق في مسعاه بل خالف الخالق وعاق والده ولم يحفظ ما عاهد عليه أبيه قبل الرحيل وبيت النية في صدره ليرتكب وزر أول جريمة على الأرض ووزر أول قطرة دم تسيل من بريء حتى يوم يبعث الله الخلق ويعرضون عليه مسؤولون عما ارتكبوا من اثم وذنب ومعصية

......

 

بقلم : سيد يوسف مرسي             



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.