الساقطة والنبيل٢

تابع امرأة الليل

برج الخليج عيادة الدكتور مختار جمعة لم يرد السائق ولكنه أكتفى بنظرة إلى حسن كأنه يقول علم يا افندم... كانت المسافة دقائق معدودة نفقت في الشرود واستيقظ حسن على صوت السائق العيادة يا أستاذنا وهو يشير له كي يعبر حسن إلى الجهة الأخرى من الشارع بعد الهبوط من السيارة ... صعد حسن السلم وها هي عيادة الدكتور مختار ..

حجز حسن دورا له عند الطبيب حتى يتسنى له مقابلته وجلس كأنه يجلس على كومة من جمر  راح حسن يتقلب في جلسته يمينا ويسارا ويهبط واقفا إلى أن حان دوره للدخول إلى الطبيب ..

الطبيب :ماذا بك وبما تشكو ؟

حسن :ليس بي مرض يا دكتور ولكن جئت لاستسفر عن حالة عولجت عندك وكنت تتابعها منذ أكثر من عامين  ... الطبيب :أي حالة يا حسن ؟

حسن:أنها حالة ابي 

الطبيب:واين هو ؟

حسن :لقد توفاه الله يا دكتور ..لكني في حاجة ملحة وضرورية لتقرير طبي عن حالة ابي قبل أن يتوفى يكون سندا لي فيما ينسب لأبي بعد وفاته 

الطبيب : مالذي ينسب لأبيك ؟

حسن:اعلم أن الي كان يعالج عندك قبل وفاته على عدم وجود مقدرة جنسية ليعاشر النساء واليوم جاءت إحداهما ومعها طفل صغير وتدعي أنها زوجة لأبي بعقد عرفي وشهادة ميلاد الطفل يحملان اسم اسم أبي وتوقيع مزور .. لذلك لجأت لكم لاظهار الحق ورفع السوء عنه من هذه الساقطة 

الطبيب :امهلني بعض الوقت

راح الطبيب يبحث في حاسوبه بين أسماء  مرضاه الذين كانوا يترددون عليه في هذه الفترة الزمنية حتى عثر على اسم والد حسن وكما توقع حسن أن أباه في أيامه الأخيرة كان عاجزا عن ممارسة الجنس نهائيا وفاقد القدرة على ذلك

وهذا ما أفادت بها الفحوصات والعقاقير المسجلة في الحاسوب في حالة أبيه ...

أخذ حسن تقريره من الطبيب وخرج وهو يقول ليس هذا بكافيا حتى أظهر براءة ابي وأكشف تلك المرأة اللعوب العاهرة ...تذكر حسن أن لديه صديق وفي ويعرفه تماما هو ووالده الحاج ابراهيم كان يعمل في قسم التحري مدة طويلة ويستطيع بخبرته أنه يأتيه بما خفي من  أمر هذه المرأة قبل أن يذهب للشرطة ويتخذ إجراء ضدها ..

كان الشويش عبد المتين يعمل مخبرا سريا لدى جهاز التحري في أقسام الشرطة ويستطيع أن يأتي بما لا يعرفه حسن أو غيره من الناس.ذهب  حسن واتخذ طريقه إليه وأوكله بالمهمة مع السرية الكاملة بين الناس حتى لا يفشى أمرهم فتهرب تلك الفتاه وامها ومن يعاونهم قبل القبض عليهم ...

لم يطل الوقت على حسن كثيرا وجاء التقرير السري من الشاويش عبد المتين في غاية الخطورة عن سميرة وامها والعجوز الذي يسكن معهما ... إنها أمراة خارجة عن العرف والدين ولديها سجل أمني كثيرا ما كانت تهرب من الملاحقات الشرطية وأنها مطلوبون  للعدالة ... لذلك اتخذ حسن قراره ليذهب إلى قسم الشرطة ويقف أمام رئيس مباحث والتحري بالمركز .. كان حسن يقف  خجولا وهو يحكي  قصته أمام الشرطة ويضع مالديه من معلومات أمام رئيس المباحث ... لم يتواني رئيس المباحث بل نادى على المقدم مصطفى وكلفه بالأمر في سرعة القبض على ثلاثتهم ..لم يمضي على وجود حسن بمركز  أربعة وعشرون ساعة وقد تم القبض عليهم واستقرارهم فيما نسب إليهم من جديد ... لقد أرادت ام سميرة الانتقام من الحاج ابراهيم قبل خروجها من منزلة أن سرقت حافظة نقود وكانت بها بطاقته الشخصية لكن الحاج ابراهيم لم يبلغ عن فقدانها واستخرج بدلا منها  ..وقد وجدت المرأة ضالتها وقامت بالتذوير فوجت بنتها له ونسبت طفلها اللقيط له مدعية أنه طفله وسميرة زوجته ولكن ميزان قد نصب فلا مفر لسميرة غير إيداعها السجن لتنال حكما عن قضاياها خمسة عشر عاما ....

بقلم سيد يوسف مرسي 



الساقطة والنبيل

الساقطة والنبيل

تقدم حسن ودلف من باب قسم الشرطة ليقدم شكواه وهو بطاطا رأسه خجلا من أن يره أحد بالقسم أو يحس به أحدا من جيرانه أنها المرة الأولى التي تطل قدميه أرضية قسم شرطة المركز .. كان يحاول أن يخفي ملامح وجهه أو معالمه حتى لا يتعرف عليه أحد من أهل الناحية .. كان حسن مرتبكا لا يعرف ماذا يقول السيد رئيس المباحث وكيف يقدم شكواه إليه ؟....لقد عجز حسن بسبب طيبته عن الوصول وكشف المستور ؛ لقد الشك فيه حيزا وبات يؤرقه منذ أن مات أبيه الحاج ابراهيم أبوليفه 

وظهور تلك المرأة في حياتهم  فانقلبت الدنيا رأسا على عقب .. وحسن يكتم أمرها لا يود أن يفشيه للناس أو أحدا يطلع عليه فهو ابن رجل معروف بين بالتقوى والصلاح وله هيبة ووقار عند  الجميع فخشى حسن أي شي يؤثر  في سمعة أبيه وعائلته ..لقد مضى شهرين كاملين وهو يتكتم على الخبر ..لكن ما دعاه للذهاب لقسم الشرطة إلا كثرة الارتياب في أمر تلك المرأة التي ظهرت لهم في لحظة انتكاسة ووفاة الحاج ابراهيم مدعية أحقيتها في الدار بصفتها زوجة الحاج ابراهيم المتوفي والتي  سبق زواجها من الحاج ابراهيم سرا على عقد عرفيا 

بشهود ورقم بطاقته القومي وطفل بين وراعيها لا يتعدى الشهرين وشهادة ميلاد تحمل اسم الطفل مقرونا باسم أبيه وجده ..لقد دخلت سميره في عائلة الحاج ابراهيم  بقوة من اول لحظة وراحت تسوق نفسها بين العائلة وتتخذ من القرارات ما يربك الخدم 

نظرا لوفاة  الحاجة فاطمة أم حسن قبل زوجها الحاج ابراهيم بعامين مما أعطى لسميرة فرصة في التدخل وفرض نفسها . كان حسن كريما هادئا مثل أبيه فاهتم بها وبطفلها الذي يعد بمثابة أخيه فاكرم مثواها وبذل لها العطاء أمرتنا لأبيه الذي يحبه ويحبه ..لم تستمر سميرة كثيرا في دار الحاج ابراهيم بل انتظرت حتى انتهاء فترة الحداد وطلبت من حسن السماح لها بالذهاب لشقتها التي اشتراها لها الحاج ابراهيم لتقيم فيها هي وامها فقد اشتاقت لأمها وعليها أن تذهب حتى تراها وتطمئن عليها.. لكن سميرة قبل أن تخرج أطلقت صاروخا أرض جو فقلب كل الموازين المنصوبة للعدل والقسط. إن طلبت من حسن وهي تظهر بعض الحياء  أن يسرع في حصر حقها وطفلها من ميراث الحاج ابراهيم .. 

كانت الصدمه لحسن قوية لكنه تمالك نفسه وأبدى ابتسامة وقبول واعدا إياها بعمل اللازم ..مضت سميرة كما ادعت لحسن ومضت الأيام لغياب سميرة وعدم رجعوها للدار فكر حسن فالذهاب إليها وزيارتها 

فمهما كانت فهي مسؤولة منه وحق عليه رعايتها بعد أبيه ذهب حسن للعنوان التي أعطه إياه من قبل وصعد حسن العمارة وفي الدور الثالث وقف أمام باب الشقة وضغط على ذر جرس التنبيه وانتظر 

قليلا ليخرج منها رجلا قارب السبيعين من عمرة 

لا بالطول ولا بالقصير عيناه غائرتان تحت رأسه 

نظر إلى حسن نظرة فتور قائلا نعم ماذا تريد 

حسن أريد السيدة سمير عبد اللطيف .. الرجل :لا ليست هي موجوده الان فقد ذهبت إلى المقابر تصطحب أمها معا وطفلها لزيارة قبر زوجها المرحوم 

وقبل ينسحب العجوز من أمام حسن ويقفل باب الشقة أخرج حسن بعض النقود وتناولها العجوز طالبا منه أن يعطيها إياها ويخبرها بمجييه إليها وسؤاله عنها .. وانصرف حسن مسرعا منطلقا بسيارته إلى المقابر فقد أحس حسن أن الرجل يكذب والأمر غير طبيعي فأراد اللحاق بها في المقابر إذا كان قول الرجل حقيقيا وصادقا...لكنه لم يجدها ولم يعثر لها على أثر بالمقابر قد ذهبت وانصرفت قبل حضوره بكثير من الوقت ..

عاد حسن لأعماله مرة ثانية  لكن كان عليه أن يعاود سؤاله عنها وعن طفلها كل حين ودائما ما يجد هاتفها التي أعطته إياه مغلقا أو غير متاح  لذلك كان على حسن أن يقوم بما قام به أول مرة فيذهب إليها 

... دق باب الشقة فخرجت تلك المرة امرأة في العقد الخامس من العمر وليست الرجل الذي قابله في المرة الأولى في زيارته لها .. ما أن نظر في وجهها حتى طار به الخيال وراح يستحضر الصورة التي  أمامه فما هذا الوجه بغريب عليه أنه يعرفها جيدا  ... إنها هي أنها هي إنها فتحية الخادمة تلك المرأة التي كانت تخدم في بيتنا ودخلت على أبي عارية ذات يوم فرضها أبي   وطردها  من بيتنا وخدمتنا ..

أنهى حسن اللقاء بسؤاله عن سميرة وصحتها وصحة طفلها وطلب من فتحية أن تنادي عليها لمقابلته لكن فتحية ردت عليه وكأنها تود أن لا تضع عينيها في عينيه بخروج سميرة إلى السوق لقضاء بعض مصالحهم ..لم يتوانى حسن في أن وضع يده في جيبه وأخرج حافظة نقوده ودس يده فيها وأخرج بعضا من أوراق البنكنوت الورقية ويضعها في كف فتحيه وهو يستدير عنها قائلا .. بلعبها عنا السلام وتعطيها تلك النقود كمصاريف لحين يتم الانتهاء من حصر التركة وحقها وحق طفلها .. أخذت فتحية النقود دون يظهر عليها أي ارتباك وحين تأكدت من نزول حسن السلم فأوصدت باب الشقة خلفه ...تركها حسن ومضى لكنه لا يعرف إلى أي وجهة ستكون وجهة ...أحسن حسن أن  الدم يكاد يضرب من رأسه

واحس أن باتت نغسلها سبورة قاتمة فأصبح لا يرى شيئا أمامه وساقته قدميه إلى أول مقهى قابله وهو في طريقه .. جلس حسن وهو يدور برأسه في الدنيا 

وكأنه لا يرى بعينيه شبر ..وجلس وانما رافعا رأسه في السماء غارقا لا يعرف كيف يؤكد ما دار في خلده ويبعد هذه المرأة اللعوب عن طريقه وحياته .. لقد راح اليقين يصفح كالشمس المشرقة يطل على الوجود بالحقيقة المخفية والمخباة تحت لحاف الوهم ..كان قد أتى إليه بكوب من الشاي وتلقاه حسن من يده قبل أن يضعه النادل على المنضدة متلهفا عليه وقبضت يده عليه بالرغم من  سخونته الشديده في يده ..وتناول رشفتين من الكوب الساخن  وأردفهما برشفة ثالثة دون يعبأ بسخونة الكوب 

وطاف بحسن الخيال ولا شي يقطع فكره ولا ذاكراته ..وعلى غرة انتفض حسن من مكانه وبرقت عيناه وهو ينظر أمامه في اللامدى وكان واحدا من الناس يجالسه أو يقعد معه ويحادثه وراح يحدث نفسه وصوته  يعلو وهو يقول نعم لقد كان أبي مريضا وكان يعالج فكيف يتسنى له الزواج من بنت في سن بناته  هذا لا يصح ولا يكون ... ألقى حسن ثمن الشاي النادل دون أن ينتظر الباقي وشد الرحال إلى هدفه وما حط به فكره  ..إشارة لعربة أجرة وهو يقول لسايقها شارع عبد المنعم رياض....

رمضان وصندوق الحظ٣

رمضان وطاولة القمار٣

مرت ثلاثة أيام على رمضان مكتفيا بالاتصال بعشيقته لكن اشتياقه لها دفعه على طلب الخروج لملاقاته كان اللقاء في هذه المرة حسب اختياره هو وقد اختارت مكان وشارع غير هذا الشارع الذي فجع كليهما .. كان اللقاء حارا بعد افتراق  ثلاثة أيام بينما ضمها إلى صدره ونهل قبلة شوق حارة من شفتيها ثم وضع يده في جيبة وأخرج لفافة من نقود ورقية ووضعها في قبضة يدها ..سألته ما هذا ؟هذه فلوس أردت أن أعطيها إياك فقد تحتاجين لشراء متلطبات لك .. نظرت عطيات تحت الضوء الخافت على ما في يدها من نقود وتخلل وجهها بهدية عشيقها فألقت بنفسها بين ذراعيه وانهالت على خده وشفتيه تقبيلا

فلم تمسك يدها من قبل مبلغا كهذا وان لم تعده وتحصيه لكن اللفافة النقدية كانت كافية أن توحي لها بمقدارها الكبير ... كان الوقت قد سرقهما فطلبت عطيات من رمضان الرجوع لدار مخدميها فقد تاخرت عنهم وحتى لا تسال عند عودتها منهم عن سبب التأخير .أراد رمضان أن يسلك طريقا أخر غير المعتاد والذي تقع فيه العمارة لكنها ألحت عليه من أجل أن تصل بسرعة حتى تسأل من سيدها لماذا تأخرتي؟.. قبل أن يصلا العمارة الموعودة شاهدا سيارة للشرطة وعربة اسعاف يقفان وبعض من رجال الشرطة وبعضا من سكان العمارة والشارع قد تجمعوا  أمام العمارة ..اقتربا رمضان وعطيات وهما يمشيان من الناحية المقابلة للعمارة أرادت عطيات أن تتكلم فأسكتها رمضان بالضغط على يدها .. ومال رمضان على أحد الواقفين أمام العمارة يسأله .. ماذا هناك ومالخبر ؟ رد الرجل :لقد وجدت الشرطة رجلا مقتولا

بالشقة يجلس على كرسيه ولم يعرف به أحد إلا عندما فاحت رائحة جثته فابلغنا الشرطة عنه .. رمضان :أن لله وانا إليه راجعون  

وانصرف من جانب الرجل وقلبه يدق طبوله من الخوف ...

مضى اسبوعين على مجئ الشرطة للعمارة وحمل جثمان الميت المشرحة ورفع البصمات لمعرفة السبب

أفاد تقرير الطب الشرعي أن الوفاة ناتجة عن  

سكتة قلبية لكن تقرير البصمات أفاد بوجود ثلاثة بصمات مختلفة .واحدة للمتوفى واثنتان مجهولتان كان الضابط المكلف بالقضية مثابرا فلم يدخر جهدا.

 لكشف غموض قضيته وحل اللغز 

ضاهى المعمل الجنائي البصمات الثلاثة  وتوصل بمعرفتهم واحده لرمضان عبد الرشيد والثانية لرجل مطلوب أمنيا يدعى سعيد الرطل أما الثالثة فلم يعثروا على ما يكشف عنها الغموض بعد ...

تلقى الضابط التقرير واستصدر أمرا من النيابة الجانئية بالقبض على رمضان عبد الرشيد وسعيد الرطل ... حينما ذهبت الشرطة للقبض على رمضان وبتفتيش مسكنه وجدوا الصندوق الخشبي وحافظة المتوفى وبها أوراق ثبوته فاسندت النيابه التهمة على رمضان بدافع السرقة أما سعيد الرطل فاودع السجن لقضايا أخرى .....

بقلم :سيد يوسف مرسي

رمضان وصندوق الحظ ٢

تابع رمضان وصندوق الحظ

استعاد رمضان رشده عندما راحت رفيقته  تنادي عليه انتفض من رقاده وأمسك بها عائدا ألى مسكنها وقد ألجمهما الموقف وحتى اطمئن عليها عاد الكرة الى مسكنه ..لكن ما من مفر إلا هذا الشارع الذي كانا فيه قبل لحظة .. ألقى رمضان نفسه على الجانب الأخر للشارع سار لكن  مازال قلبه يدق ..حين وصلت قدماه أمام باب العمارة توقف رمضان وهو لا يدري ماذا يفعل أيمضي إلى مسكنه أم يحاول أن يكتشف المجهول ؟...

تجمع الفضول عنده وبات كالسيل الجارف فقطع الشارع عرضا للناحية الأخرى ووقف أمام باب العمارة وهو ينظر حوله وطلق أذنه وعينيه للداخل .. سرعان ما وجد نفسه داخل الباب الحديدي .. أخرج تليفونه المحمول من جيبه واشعل الكشاف الموجود به وراح يقلب عينيه وسط الظلام على ضوء كشاف محموله 

عله يرى شيئا ما وباب العمارة مازال مفتوحا على مصرعه خلفه ..كان قد انتهى رمضان من تفقده للدور الأرض للعمارة دون يجد شيئا فعدل للخروج لكن صادفه السلم فيلمه عارجا للدور الثاني وهو يلهث من الخوف لكن الفضول قد تلبس به فأغراه فظل في بحثه وسط الخوف والمجهول ..

ها هو يقف أمام باب الشقة في الدور الثاني مد يده يختبر الباب على حذر وأدار مقبض الباب بيده فإذا بالباب يفتح فيطلق رمضان كشافه قبل عينيه وإذا برجل تحللت جثمانه وهو كرسيه ومازالت يده تقبض على زجاجة خمر مازالت بها بقية يبدو أن صاحبها لم يمهله الأجل ليشرب لقيتها ويفرغها من محتواها ..

وكادت الرائحة تقتله لولا أن تراجع وفتح باب الشقة على مصرعه ..كان المتوفى يجلس على كرسيه وأمامه طاولة مستديرة عليها بعض أوراق الميسر 

وزجاجة وسكي ملقاه أسفله فارغة قد فرغ محتواها .راح رمضان يلقب في محتويات الحجرة 

فإذا به بصندوق خشبي مطرز ويبدو أنه تحفة أثرية 

..رفع الوسادة التي فوق السرير بالحجرة فوجد حافظة مكدسة بالنقود وبعض الاوراق الثبوتية 

وضعها رمضان في جيبة وحمل الصندوق بين يديه 

ونزل مسرعا وقد أطفأ كشاف محموله حتى لا يلفت لا يراه أحدا أثناء خروجه من العمارة....

رمضان وصندوق الحظ

رمضان وصندوق الحظ

كثيرا ما سعى رمضان كي يلتحق بعمل يوفر له العيش بعيدا أبيه وأسرته. بحيث لا يصبح عالة عليهم وقد فلم يوفق في الحصول على قسط من التعليم أو يحصل على شهادة علمية تؤهله لعمل بعيدا عن مهنة المعمار فقد توقف عن الدراسة في الصف الثاني الاعدادي .. ولذلك كان على رمضان يشق طريقه ويحدد مسارا لحياته فعمل مساعد بناءا 

فيقوم بتجهيز المونة وجلب الطوب ورفعه للبناء 

وكلما أتيحت له الفرصة قام ببناء صفا أو عدة صفوف تحت نظر معلمه مما أتاح له التعلم واكتساب الخبرة رويدا رويدا ومع مرور الأيام بات معلمه يثق فيه وفي خبرته فيسند بعض الأعمال من حين لأخر حتى بات معلمه يثق فيه وفي قدراته ..

مع الايام تطور وضع معلمه فأصبح مقاولا في سوق المقاولات واشتهر بين المقاولين ومعه رمضان لا يفارقه .. حتى جاء اليوم الذي طلب منه معلمه وهو يسند إليه القيام بتشطيب فيلا له على قطعة أرض كان قد اشتراها معلمه منذ فترة ما بالبعيدة في أحد شوارع المدينة .. تقبل رمضان تكليف معلمه بصدر رحب واحس أن الدنيا تبسمت له فلقد نال رضا معلمه وثقته بعد وعده بإعطائه شقة بدون مقابل لتكون سكنا له بدلا من العاب والإياب إلى بلدته 

والتنقل بين سكن وأخر بالإيجار ...

أنهى رمضان ما وكل إليه معلمه في زمن قياسي 

أبهر معلمه به فوفى بوعده له وأعطاه شقته التي وعده بها لكنه طلب منه طلبا أخر عن أن الحارس لتلك العمارة التي بها شقته مع إعطاءه مقابل حراسته مبلغا من المال يقدر بثلاثة ألاف جنيها 

حسب رمضان حسبته وأدار الفكرة في رأسه وقال :لماذا أرفض طلبا كهذا مادمت أنا قائم بالعمارة والحراسة ليلا في وقت تواجدي بالعمارة .. لا بأس بذلك ووافق على طلب معلمه وصارت الأمور هادئه مع رمضان لا يتخللها صخب ولا ضجر ولا متاعب ..

إلا أن القدر وضع في طريقه فتاه تعمل خادمه عن أحد الأسر في الشارع يقطن فيه رمضان .. ويبدو أن رمضان لم يسبق له الزواج أو الارتباط ومازال عازيا 

فقد انجذب ناحية الفتاه واغرم بها وهي كذلك وباتت يتقابلان من حين لحين بعيدا عن الأضواء والمارة وهما يبادلان الكلمات الناعمة وبعض القبلات الخاطفة وقد تواعدنا على الزواج من بعضهما والارتباط ...وفي ذات ليلة كانا قد تواعدنا على اللقاء من قبل وكانت ليلة مطيرة بعض الشئ فتسقط بعض قطرات الماء ثم تكف عن السقوط عن الأرض وهذا مما جعل تخلو الشوراع من بعض المارة ونطفي بعض الأعمدة أضوائها بفعل المطر .. فقد هيا لهم المناخ في تلك الليلة صحبة طيبة بعيدا عن عيون المارة ... كانا رمضان ومحبوبته يسيران بمحازاة العمائر من الجانب الأيمن للشارع اللذان دلفا فيه للتو حيث راق لهما السير نظرا لضعف الإنارة به وانعدام المارة نهائيا به ..عندما اقتربت من منطقة وسط الشارع وكانت شبه مظلمة توقفا أمام باب عمارة يبدو أن لا أحدا يسكنها فاغراهما السكون والظلام ورجعت بجسدهما ناحية باب العمارة وراحت يتبادلان القبلات ليطفئا النار المؤججة في جسدهما 

 لقد كانت غارقين في بحر من الغرام الذي انسحب جزرا على صوت الباب الحديدي اللذان يقفان أمامه وهو ينفتح على مصراعيه بفعل الريح التي اشتدت فجأة فادت لفتح الباب على غرة منهما غافلا كل واحد منهما الآخر دون أن يمسك بأخيه فقفزت حتى بعيدا ووقع رمضان وهو يحاول الهرب من الخوف 


مع فصل أخر لرمضان وصندوق الحظ

الطريق إلى فؤادي

الطريق إلى فؤادي
إن الطريق إلى فؤادي مجهد
=================ماذا دهاك إذ أردت وصالي
هل كنت تسعى للوصول حقيقة ؟
====================أم حطك السيل في دروب مجالي؟
فكيف الود مني وتلقى تعنتا ؟
==================إن الطريق إلى الوصال أمالي
إني زففت إليك كل خواطري
==================وظننت فيك لا تكبر وتعالي
حتى رأيتك في الخلاء تحوطني
====================پأسوار وراجمات من الأقوال
فارحم فؤادي لو أردت سماحتي
====================إن القلوب رقيقة لا تود تسالي
لو كنت ترجو بالوئام صداقة ؟
==================فاخشى رياح الظن والأفعال
ما كنت أحسب للكلام مضرة
==================ولا فعلا مقيتا يؤدي للترحال
فصنعت في زهاء اللب سحابة
===================تغشى على الوجدان كالأطلال
الحب بالمألوف لايبق مهلك
=================وعشق الصروف لا يروق مجالي
بخندق الصمت لايروقك مقصدي
===================وبكل المفارقات لا تود رحالي
لو كان بدك أن تكون نكايتي
==================,فخسئت فعلا وما هدمت جلالي
إني أخصك بالسؤال تجيبني
================= فبأي حق قد تريد وصالي
بقلم:سيد يوسف مرسي

من يشتري ؟

من يشتري وجعي؟

ماذا لو صنع القدر شقا ؟؛ بالجدران 

غير تلك النافذة الصدأة

ماذا لو اخترق الصدى حاجز الصمت ؟

من يشتري مني وجعي؟

أتوسل للنافذة أن تفتح إحدى ذراعيها

ما عدت أبصر دفاتري 

والصفحة الأولى ملت من أناملي 

ودفاتري حبلى ...

هل تلد السطور كبشا للفداء؟

تجرني الأبجدية إلى طفولتي 

لا شئ ينسى .....!

في كهولتي افتقدت النكهة ..

افتقدت صلابة العناد 

أفتقدت في الصمت الهوية 

طمست معالم الطريق التي تؤدي إلى حارتنا..

نقتفي الأثر فوق بحر الرمال الحمراء..

نبحث في صخور الكوكب الأحمر..

ضيق الأنفاس المجاهدة .

والصدى بكسره الحاجر الخرساني 

ردة الصدى ووقوف العين عند حاجز الانتظار.

أتلهف لو نزعت يدي من جيب معطفي ..

لماذا لا أرى يدي بيضاء؟

أحدق في شراعة النافذة ..أحدثها ..أتوسل لها

بعيدا عن تلك الجهة ..

بعيدا عن رصف الانكسار ...

عن ناصية الانتظار ...

بعيدا عن مصر الرياح ...

عن الهواء العفن ..

بعيدا غبار اليأس ..

أعتقد سيموت الوجع ..

أعتقد كل الفواصل ستلتئم

عسى أن ينبثق بصيصا من بين اللبنات الهرمة..

تعبت أحداقي ..أقدامي ... فؤادي ... وجداني 

ومازلت أبحث عمن يشتري وجعي ...

كي أرجع إلى جادتي 

بعيدا عن كؤوس المسكرات الهزلية

بقلم:سيد يوسف مرسي





اماه ..!

أمي

أماه 


وددت أن أهامس أمي بالنداء 

فكيف لغير أمي اليوم أنادي 


إني وددت أن تعيش حياتها 

ولاتفارقني لحظة وأناجي 


لاحظت وقد أفقت من غيبتي 

أن الأمومة در وكلها أعاجي 


ب ساحة التحليق أعصر مهجتي 

أني إلي الحبيبة ذاهب وألاقي 


كأني بظني أطفئ جزوتي

وأقتل كل فكر جائني يعادي


وأقتل حزن عكر مشربي 

وقد جف نهري وصرت أعاني


يا لهفتي أمي  وقد ذهبت 

ولفت بأكفانها فوق الأيادي


ما عدت أسمع  اليوم صوتها

وما فارقني طيفها بسمائي 


يا ليت أمي لم تفارق لحظة 

فاحملها  على كفتي واناغي 


يارب أغفر لأمي كل ذلة 

وبدل ردائها سندس بدعائي


وأدخلها فسيح جناتك العلا 

وطيب مقامها بحق ولائي 


بقلمي / سيد يوسف مرسي

حارة النقار

الكنز

أمتطى الخاطر زورقه وراح يبحر في لجاجة رابحة يراوضها ويلح  عليها أن تذهب .فأمر كهذا الذي أرقها وقلقل مضجعها ليس بالسهل عليها ولا يمكن السكوت عليه  لقد ألحت عليها الرغبة و تود أن تنفس على نفسها وتفك من أسرها وتكشف عن سر ها وما خفى عليها . لكن لا بد من ان تمهد الطريق حتى يتثنى لها ترك جابر . إنها تعرف تعنته معها وتعلقه بها بعيدا عن هذا الموضوع فهو دائما يريدها بجانبه ويحتاجها معه . لا ينفك عنها ولا ينفصل متعلق بها كالروح في الجسد فلو فارقته ستموت حتما ...لكنها استطاعت في النهاية الحصول على الموافقة .. ذهبت رابحة تقصد منشود لديها ..وتقتفي أثر المفقود ....وقد ذهب  جابر  على حين غرة يلبي نداء عمله في مدينة أخرى مما أتاح لرابحة أن تذهب حيث تريد ... ويكفها مكالمة هاتفية تخبره فيها بخط سيرها دون تفاصيل ....تحركت رابحة في طريقها لا يثنيها شئ ....طويت الطريق في عينيها وإذا بمرمى غير بعيد شهقت مأذنة المسجد وهي تبث الٱذان لصلاة العصر .. حدقت رابحة ببصرها ودارت برأسها كأنها تعود إلى رشدها ووعيها  .......

 فالمكان قد تغيرت بعض معالمه . فلا شئ يظل على حاله ..مالت وانحدرت بجسدها وهي تقترب  من رجلا جلس أمام حانوته وقد تدلت لحيته البيضاء الكثة وهو يهم وينهض للذهاب للصلاة ..تسأله عن حارة النقار وبيت النقار  ...كان النقار صاحب صيت وشهرة في زمانه الذي أنفك ومضى ولم يبقى من صيته شئ غير الترحم على ما كان في زمانه من نعم ووئام وبركة ...لقد سميت  الحارة  بإسمه .. وقف الرجل وهو يلقي ببصره في وجه رابحة ويتفقد ملامحها لكن عندما فقد الوصول والطريق للتعرف عليها  تمتم ببعض الكلمات  على شفتيه .. ورفع يده وراح يشير لها ويوجهها إلى مبتغاها ...أصبحت رابحة على مقربة من مقصدها .. ولم تمضي بعض دقائق حتى  ركبت قدمها ظهر الحارة ...راحت تخاطب بعينها الوجود والجدران في صمت  .. هناك بعض الاشياء لم تتغير فكثير من معالم الحارة ما زالت كما هي على هيئتها إلا من بعض الطلاء الذي لثم بعض وجوه الجدران أو وجوه  بعض أبواب المنازل . لقد مرت سنين على أخر تواجد لها فهذه هي الزيارة اليتيمة الوحيدة والتي لم تؤأخيها وتردفها بأخرى وها هو الباب لم يتغير وها هو الدار  التي ظهرت على وجهها التجاعيد بفعل الزمن .. تقدمت رابحة ناحية الباب العتيق وهي تنظر ناحية اليمين وناحية الشمال كأنها تستطلع شي ما حولها وهب تشم رائحة الماضي المنبعث إليها  وتغمرها الذكرى ..نعم يا رابحة لقد جئتي إلى هنا عروس لعبد السلام  وكنت هنا  في يوم الأيام لتسكني في هذا الدار ..لكن القدر لم يمهلك ولم يسمح لك القدر لتعيشي هنا   ..ومن أتى بك فارقك وتركك لمصيرك المجهول في هذا البلد . وقد لبى نداء ربه ...فلا أخ ولا صاحب ولا حبيب لقد كان معينك هو الله واليوم تقفين مرة أخرى أمام هذا الباب لتطرقيه ... مدت رابحه يدها وامسكت مطرق حديدي يشبه قبضة اليد في قبضتها معلق على وجه الباب وقد اعتلاه الصدأ فهيهات من يتعامل معه ...لقد علمت رابحة أن الدار قد سكنت من قبل  بعض إخوة زوجها عبد السلام  ..طرقت رابحة الباب العتيق مرة تلي المرة  وإذا بامرأة شابة في العقد الثالث من العمر تفلج الباب بحذر لتجد رابحة في وجهها .لحظة صمت وتمعن بينهما لم تطول . تتدارك رابحة الموقف وتبادرها ...ضيفة جاءت لتسلم عليكم وتشرب الشاي ... يا مرحبا.. تفضلي كان ذلك هو البداية مع رابحة لتتعرف على من بقى من أسرة النقار ..لم يكن اللقاء حميما بينهما بل كان فاترا .. لكن رابحة أرادت تصنع لنفسها مكانا وتفرض وجودها بعد هذه المقابلة الفاترة ......

راحت رابحة تفتح طريقا لها ...فبادرت مضيفتها وهي تقول لها وكأنها تعرفها بنفسها أنا رابحة أم جابر زوجة المرحوم عبد السلام اخو زوجك الكبير . ولم تأتي الفرصة لنتقابل من قبل ....

 وانتي ما أسمك ؟قالت :ٱمال .. قالت رابحة:عاشت الاسامي أهلا وسهلا بك نورتينا يا أم جابر .......

رابحة :أين المحروس زوجك؟ 

ٱمال: أنه غائب عنا منذ فترة  

رابحة : يعني مسافر يا ٱمال ؟

ٱمال: وكأنها وجدت ضالتها نعم  مسافر في العراق

رابحة :ربنا يرجعه لكم بالسلامة 

لم تصدق رابحة ما قالته ٱمال لها بشأن زوجها 

فقد لا حظت رابحة أثرا ورائحة لوجود الرجل في البيت من لحظة أن دخلت الدار وجلست وهي تدور بعينها وتفتش في أركانه فالمرأة التي تعيش مع زوجها لها ملامح غير الملامح التي تبدو على المرأة في غياب زوجها ..قبل أن تستدرك الحديث وتواصل قطع ثلاثة أطفال حبل الحديث بينهما وهم يصيحون ماما ... ماما ...ماما وقبل أن تلتفت إليهم إذا باوسطهم قامة يطلق سؤالا وهو ينادي امه ... ماما ...ماما أين بابا ؟ لقد نزل السؤال على رأس ٱمال كالصاعقة فلم تستطع إسكاته 

وهي تنظر بعين الخجل على رابحة وتحاول أن تسكت الطفل من ناحية وتخرج من هذا الموقف بكذبة أخرى أو بحيلة قد تصدقها فيها رابحة ..شئ من اليقين دخل قلب أم جابر وخيط أمتد إليها دون جهد ..هنا أدركت و

أرادت رابحة أن لا تعطي أمال أي فرصة في فهمها فتجاهلت الأمر كأنها لم تسمع شيئا من الطفل .فتداركت الموقف بطريقتها حتى لا تفطن ٱمال لمأربها...لكن المساء قد حل واسدل الليل خيمته على الوجود فلا مناص لرابحة للعودة في ذلك الوقت ولا يتثنى لآمال أن تطردها من الدار فقد عرفت أنها شريكتها وهي وريثة زوجها ...فما كان من ٱمال إلا الانصياع للأمر الواقع ومعاملة رابحة معاملة تظهر فيها الطيبة والود بالرغم من ما  وقع في صدرها من هذه الزيارة التي فاجئتها بها رابحة على غرة من أمرها ...حاولت ٱمال أن تظهر لرابحة بعض الكرم فأتت لها بالعشاء  في الصالة لتأكل ..لم ترفض رابحة الطعام الذي قدمته لها ٱمال فنهضت لتغسل يدها قبل الاكل في الحمام 

ولأجل أن تدخل الحمام فعليها أن تمر بطريق يتخلل  بين الحجرات لتصل إلى الحمام فإذا بها تقع عيناها عما افتقدته من بيتها ولم تخبر جابر بفقدانه حيث كان لا يعلم به ولا يعلم ما به ..... هذا هو الصندوق الخشبي 

كيف انتقل إلى هنا ومن الذي أحضره؟....

هل ما تقوله ٱمال عن غياب زوجها بالمعقول ما تقوله ٱمال عن زوجها فمن هذا الذي أعلمهم بهذا الصندوق ؟

 

*****

 

فهذا ليس بالمعقول  ولا يكن أبدا ....!

نهضت ٱمال وراحت تعد لرابحة سريرا كي تنام عليه قد لا حظتها تغمض عينيها وتسبل اجفانها فظنت أنها مجهدة وتريد أن تستريح وتخلد للنوم ..هذا ما اعتقدته ٱمال ..لكن رابحة كانت تتظاهر لآمال حتى لا يدخل الشك في قلبها ....

نادت ٱمال على  رابحة وهي تدعوها لتستريح وتنام لأنه يبدو عليها الإجهاد . وقفت رابحة وهي تتهيأ للخلود والنوم.....

وقالت : تمام ربنا يوسع عليكم وطالما زوجك غير موجود اتركي الباب لي مفتوحا ربما أحتاج أن أذهب  إلى الحمام فلا أوقظك من النوم ...

ٱمال :كما تريدين  البيت بيتك يا أم جابر 

ألقت رابحة بجسدها فوق السرير وسحبت البطانية على جسدها .. وقد خرجت ٱمال حيث أطفالها لتترك رابحة تحت الغطاء تدبر أمرها حتى لا يفضح أمرها قبل أن تصل لمرادها الذي جاءت من أجله حارة النقار؛ لقد ٱل إلى رابحة  هذا الصندوق الخشبي العتيق بكل ما يحتويه من خبيئة فقد تركه عبد السلام لها واستودعها إياه ؛ وهي تحافظ عليه  وهي تعرف ما يخبأ بداخله ...

إنه الكنز يا رابحة فلا تتركيه يسرق منك وقد حفظتيه طوال هذه السنين لابنك .. ثم يأتي اليوم الذي يسرق منك ومن جوف دارك ؛فمن وشى لهذا المعتوه بهذا الصندوق فجعله بغيته وطلبه ؟؛؛

راحت رابحه تركض تحت الغطاء وتلهث ودار بها الشك وراحت تستجمع في ما غاب في الذاكرة... وعلا قلبها دقا وهي تسأل نفسها .. من هذا الذي دخل بيتها وجلس معها ويعرف كل صغيرة وكبيرة في بيتها ؟؛؛.  هل هي سمية ؟ وان كانت هي ؟.. فكيف عرفت أخي زوجها وما سر العلاقة بينهما .؟

أسئلة لا تجد لها جوابا وهي لها  بمثابة لغز .. وقد يكون غيرها ولكن كيف ذلك؟.. فباب البيت لم يكسر ..وليس لبيتها مدخل أو منذ على الجيران ..أن الذي دخل بيتها وأخذ الصندوق لص محترف ويعلم كثيرا عنها .. لكن عبد العاطي اخو زوجها ..لم تره وهو لا يأتيها وابنها أبدا ولا يسأل عنهما  ... 

تحت الغطاء اتصلت وكأنها تهمس في أذن جابر ؛

أين أنت ؟ ماالخبر يا أمي ؟ أريدك على عجل ؛؛

لماذا ؟ الأمر في غاية الضرورة ..تعالى ومعك الشرطة.. تدخل ٱمال لتنزع البطانية من فوق رابحة

وتشعر في وجهها سكينا ... لن يخرج الصندوق إلا على جثتي ...!

وسمية تقف بجوارها لتنفيذ الجريمة قبل وصول جابر .......

من الذكريات

الذاكرة 

تمتليء عيني بالصفاء و البراءة . لا أعرف القيد ولا يعرف القيد حينها طريقي . بداية فطرية يكسوها الجلال وبراءة الطفولة النقية . لا أعبيء بالجري ولا أحس بالتعب أقضي النهار كالطير أمرح ..العب في براح الدنيا المتاح لي مع حذر الأبوين وخوفهم علي . كنت إذا أحسست بالملل خرجت حيث الفضاء والحماد أتنقل فوق شرايين الماء التي تروي الزرع بعضا منها جف ماءه وبعضا منها مازال يحتفظ ببعض الماء  أو مازال الماء يسري فيها  لنروي ..حقلنا كاي حقل من الحقول . فأصنع لنفسي طريقا للهو واللعب بعيدا عن الأنظار و الأنداد من الأطفال .أمارس هوايتي المفضلة والتي اعشقها وأحبذها ... تعشق يداي العبث بالطين الزبد.. فأعجن فيه وأزبد حتى يصير متماسكا في يدي ؛ أصنع تمثالا لرجل لا أعرفه أو أقلد شكلا من الأشكال التي تجوب بخاطري 'أو أصنع  مثالا لابي الهول أو لزعيما من زعماء مصر أصحاب الطرابيش كسعد زغلول أو مصطفى كامل او عرابي '''أقتل النهار  في لهوي ولا أحس بالوقت ولا أشعر بالجوع ....يجلدني اصفرار الشمس قبل أن تغرب في مغربها ...أعود أدراجي مسرعا  خوفا من الظلام وخوفا من أبي .. أخبيء ما صنعت في مخبأ لا يراه أحد بين ملابسي الداخلية 'لا يهمني أن تتسخ' كل ما يهمني أن لا أحدا يعرف  من إخوتي ما أخبيه في ملابسي .. اغسل يدي ووجهي  وازيل أي علامة أو أثرا حط على ملابسي حتى لا يعرفوني فآنال علقة ساخنة بالعصا من أبي وأحرم من الخروج ...في اليوم التالي أخرج انتاجي الطيني واضعه في الشمس ليجف وانتهز اللحظة التي تحمي امي فيها الفرن للخبيز.. اغافلها والقي بتماثيلي تمثالا بعد تمثال في العين المحمية وهي بجواري دون أن تحس بي وتراني حتى أقوم بحرق التماثيل ويتغير لونها إلى اللون الأحمر .. وأحمل الصبر بداخلي وانا أترقب انطفاء النار وتحولها إلى رماد في الفرن لأخرج تلك التماثيل منها حيث أخرج بها أمام زملائي وأقراني اتباهى أمامهم وهم مندهشون من صنيعي ..تاخذني النشوة حين أرى واحد منهم ينادي على الآخر وهو يقول له تعالى وانظر ما عمله وما صنعه بيده من الطين . فكانت السعادة تغمرني واجد واجتهد ؛  ففي كل يوم كنت أصنع شيئا جديدا . أذكر أنني آخذت أحد التماثيل الطينية المحروقة وصنعت له شعرا  برأسه   من شعر عنزة كانت عندنا وقد قمت بلصقه بالصمغ البلدي الذي كنت أحضره من أشجار السنط القريبة من منزلنا والتي تنمو بكثرة على ضفاف الترعة التي تجري على مقربة من منزلنا .. وقد صنعت له لحية كثة وحكت له جلبابا من قماش قديم وخرجت به إلى الشارع وكلما مر أمامي رجل أو أمراة أو طفل اتصنع الوقوف والاقتراب منه ...ليرى ما صنعت . ثم مر أمامي رجل له قيمة  علمية في قريتي وتربطنا به صلة قرابه وكان من أصحاب الطرابيش ..فلما رٱني أهلل واقصده دنا مني وأخذ التمثال من  يدي ..وراح ينظر إليه ويتعحب... ولفظ الجلالة لا يفارق فمه ولا يتركه وهو يسألني من أين لك هذا؟. قلت :إنه ملكي ... قال :يا كذاب من اعطاك هذا ؟.... قلت : والله يا عمي أنه ملكي وانا الذي عملته بيدي... كان في عينيه انبهار ولا يود أن يصدقني... فرحت أحلف وأقسم له ... فما منه إلا  أن وضع يده في جيبه وأخرج قطعة نقود  معدنية فئة الخمسة قروش فضية واعطاني إياها وأخذ التمثال مني .. :قال لي: انت تأخذ هذا لتشترى به حلوى وانا سوف ااخذ هذا . تمنعت في البداية وانا متردد ولكني وافقت خجلا وسرورا بالخمسة قروش ..وكلما أخذني ابي في صبيحة كل يوم عيد لنعايده نظرا لصلة القرابة بيننا أرى تمثالي قد وقف  فوق رف خشبي في حجرة الإستقبال شامخا بشعره المعيزي المستعار ولحيته الكثه .. لم أستطع أن أصارح ابي وانا أنظر إليه متحسرا عليه ...ولم أصنع بعده أبدا ...

تمثال فقد أصابتني عين الحسد ولم أصنع مثله أبدا ..

بقلم الشاعر سيد يوسف مرسي



البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« مايو 2022 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية